ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
151
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ولا يدرى ما هو آت فينتظر أيامها كاذبة ( 1 ) وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد وابن آدم فيها على خطر وإن عقل فنظر وهو من النعماء على خطر ومن البلاء على حذر فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل زاجر وفيها واعظ فما لها عند الله جل ثناؤه قدر وما نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبيك صلّى الله عليه وآله وسلّم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها وكره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها ( 2 ) عن الصالحين اختيارا وبسطها لأعدائه اغترارا أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع الله بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم حين شد الحجر على بطنه ولقد جاءت الرواية عنه تبارك وتعالى أنه قال لموسى عليه السّلام إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة ابن مريم عليه السّلام كان يقول إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وصلائي في الشتاء مشارق الشمس وسراجي القمر ودابتي رجلاي وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض أبيت وليس لي شيء وأصبح وليس لي شيء وليس على الأرض أحد أغنى مني وقال ابن منبه لما بعث الله موسى وهارون إلى فرعون قال لا يروعنكما ( 3 ) لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي فلا يعجبكما ما متع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما بزينة الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت لكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي غنمه عن مراتع الهلكة وإني لأجنبهم سلوكها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة ( 4 )
--> ( 1 ) يعني كأنها لسرعة انقضائها غير واقعة . ( 2 ) زوي الشيء من باب ضرب : منعه . نحاه . ( 3 ) راعه الشيء يروع روعا - أعجبه . أفزعه - ومن الشيء : فزع . ( 4 ) العرة - وزان المرة - مؤنث العر وهو الأجرب والعرة بالضم - : الجرب ، الإصابة بمكروه .